القرطبي
425
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أكلها وشرب ألبانها والدفء بأصوافها - إلى غير ذلك مما أمتن به - كبير فائدة ، فلو كان ما ذهبوا إليه فيه الفضل لكان أولى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم من التابعين والعلماء ، وقد تقدم في آخر ( البقرة ) ( 1 ) بيان فضل المال ومنفعته والرد على من أبى من جمعه ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال مخافة الضعف على الأبدان ، ونهى عن إضاعة المال ردا على الأغنياء الجهال . قوله تعالى : ( لعلهم يتضرعون ) أي يدعون ويذلون ، [ مأخوذ ] ( 2 ) من الضراعة وهي الذلة ، يقال : ضرع فهو ضارع . قوله تعالى : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ( 43 ) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 44 ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ( 45 ) قوله تعالى : ( فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ) ( لولا ) تحضيض ، وهي التي تلي الفعل بمعنى هلا ، وهذا عتاب على ترك الدعاء ، وإخبار عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب . ويجوز أن يكونوا تضرعوا تضرع من لم يخلص ، أو تضرعوا حين لابسهم العذاب ، والتضرع على هذه الوجوه غير نافع . والدعاء مأمور به حال الرخاء والشدة ، قال الله تعالى : " ادعوني استجب لكم " ( 3 ) وقال : " إن الذين يستكبرون عن عبادتي " أي دعائي " سيدخلون جهنم داخرين " [ غافر : 60 ] وهذا وعيد شديد . ( ولكن قست قلوبهم ) أي صلبت وغلظت ، وهي عبارة عن الكفر والاصرار على المعصية ، نسأل الله العافية . ( وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) أي أغواهم ( 4 ) بالمعاصي وحملهم عليها .
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 417 وما بعدها . ( 2 ) من ب ، ج ، ك ، ع . ( 3 ) راجع ج 15 ص 326 . ( 4 ) في ج ، ع ، ى : أغراهم .